في نقد فكرنا اليومي

الايام الفاتت ما كانت اول مرة اسمع عبارات على شاكلة تعداد فوائد “تقديم خطاب خالي من السياسة للمواطن العادي/البسيط” و بالتأكيد ليست أول مرة تفقع مرارتي و لكنها كترت شديد الايام دي

الموضوع كلو بدا بي الفيلم القصير Our Sudan اللي نزل على يوتيوب قبل كم يوم و النقاش حوله

الفيلم خفيف خفة انهكت بحثي عن مضمون قابل للتحليل و المناقشة

لانو بالجد ” We must respect the past without being bound by it
Accept the present without succumbing to it
And dream of a future built upon both “

 دي ما مضمون يمكن تحليله، كلام لطيف، fortune cookie saying، حكمة اليوم على طراز ابدأ يومك بابتسامة و لا تؤجل عمل اليوم الى الغد

بالطبع يمكن تحليل السرد اللفظي و البصري في الفيلم (كما فعل الكاتب في مقال The Disappointment of Our Sudan) او حتى تقديم تحليل طبقي للسرد (كما في #OurSudan: musings of the undead effendi ) و كلا المقالين يستحق القراءة اذ تطرقا بشكل اراه وافٍ الى الدلالت الطبقية للسرد اللفظي و اختيار الكلمات في الفيلم الذي يصر على استخدام مفردة “السودان” للدلاله على ما لم يختبره سوى أفندية الخرطوم و ابنائهم، في خطاب يتجاهل وجود طبقات و ثقافات اخرى داخل السودان.

و لكني لست بصدد اعادة تقديم ما تم تقديمه، بل –و كما ذكرت سابقاً- ارغب في التطرق الى الحجج و الأسباب التى ذكرها اصحاب “الرأي الآخر” الذين “الهمهم” الفيلم بل و اعجبوا بخلوه من مضمون سياسي او فكري ثوري و رأوا في ذلك محمدة كونه تفادى الصراع مع السلطة و جعل من انهاء المشروع و تقديمه ممكناً و واقعياً.

انا اتفجعت بصراحة و انا بقرا الكلام ده

كدي واحدة واحدة

أولاً: السؤال هنا ليس عن كونه “خالٍ من المضمون السياسي” ام لا بل كون ذلك ممكناً زاتو!!! انهم يصورون السياسة كأنها وعاء واحد يحمل الرجعي و الثوري، الديني و العلماني، الصادق المهدي و د. جون قرنق، كلهم سياسيين، كلهم في وعاء واحد و يقابلهم الوعاء الخالي من السياسة!!! دي فكرة وهمية جداً … السياسة لفظ يدل على جزء من الحراك الاجتماعي يتعلق بانظمة و علاقات الحكم، طرفيها الثوري الساعي لتحليل الاوضاع الحالية و مساءلتها و تغيرها و تجديدها و تثويرها، و الراجعي الساعي الى استمرار القديم و تقديسه مما يجعل من الفكر الذي لا يناقش ولا يحرك الوضع الراهن بل و يسوق فكرة “الابداع الخالي من السياسة” فكراً عدمياً يدعم بقاء الراهن – القديم حيث الزمن متحرك- و بالتالي يتبوأ مكان ظريف جدا بجانب الفكر الرجعي، فهو –و اقتبس من مقال Short Film OUR SUDAN is a Love Poem to Sudan – “يقدم رسالة قد تروق للمواطن العادي و الذي مل من السياسة.”!!! فكر يقدم للمواطن مهربا يجعله يتفادى الواقع السياسي فيتركه للنخبة الرجعية المسيطرة! يا سلاااام دي حاجة سمحة شديد!!! *Sarcasm sign*

ثانياً و في امر محمدة تفادي الصراع مع السلطة فيبدو ان المؤمنين بذلك يرون في انتاج فيلم امراً ايجابيا لكون فيلماً قد انتج بغض النظر عن مضمونه –او حتى امكانية توزيعه- فيحشرون عملاً –المفروض انو- ابداعي في المساحة التي تسمح بها السلطة و يقصقصون كل ما يتعداها و يكتفون بكون فيلم قد انتج و السلام. و يحضرني و انا افكر في ذلك جمعهم لمبلغ 11000 جنيه استرليني لانتاج الفيلم و كونه –على الاقل بالنسبة لعيني الغير خبيرة سينمائياً- خالٍ من العيوب التقنية مما يدل على ان جهداً ربما كبير قد بذل في صنع الفيلم و يجعل اختيار صانعي الفيلم لاوجه صرف هذا الجهد محيراً.

مهدي عامل، دكتور في الفلسفة و مناضل و مفكر شيوعي لبناني، اغتيل في عام 1987 قبل ان يكمل كتابه الاخير فتم جمع و نشر الاجزاء التي اكملها منه تحت عنوان “نقد الفكر اليومي” … في نقد الفكر اليومي يحلل مهدي عامل هذه الفكر الذي يبدو و “كأن ميزته الاولى أن يفتقد الحد الأدنى من الدقة و الصرامة”، الفكر العدمي الذي هو في حقيقته رجعي، يساند بخواءه و بساطته المفرطة السلطة الراهنة بشكل واعي او غير واعي. مهدي عامل كان يتحدث عن فكر يشابه هذا الذي يساند خواء “الفيلم”. عشان كده جمعت من بعض صفحاته فقرات اراها تسرد ما اود قوله خير سرد.

عن هذا الفكر و ما يشابهه يقول مهدي عامل انه: “فكر لا يحب التعقيد. يعشق البساطة، فهي تريح. يختزل و يؤكد. … يسقط من السياسة أطراق التناقض و الصراع فيها، فتستحيل به السياسة كلمة جوفاء يظنها مصطلحاً أو مفهوماً يدخله كطرف في التناقض … هكذا يستعيد هذا الفكر لغة البداهة في الوعي اليومي ليترسب فيه، و يكون ليس له فعل الا بمقدار ما يستسلم للفكر المسيطر –أي للبرجوازية المسيطرة- و يسهم في تحالفه المرئي و الغير مرئي معه.

… يتحرر [هذا] الفكر، بدئياً، من ضرورة المعرفة و من عبء موضوعها، بإلغاء الواقع المادي الذي اذا اصطدم به استعصى عليه… فيتسنى حينئذٍ للفكر ان يجول في فراغ تسبح فيه الكلمات، كأنها الأشياء نفسها. في مثل هذا الفراغ تحل الكلمات محل الأشياء، لا من حيث هي المفاهيم، أي أدوات الفكر الضرورية في انتاجه المعرفة، بل من حيث هي ألفاظ متحررة من مضمون المعرفة بتحرر الفكر من الواقع المادي.

يبقى على اللغة أن تقوم بوظيفتها الايدلوجية في ترتيب الألفاظ الجوفاء بحسب منطق الإنشاء، حتى يكتمل للفكر تحقيق هدفه في إحلال منطقه، هذا الذي هو منطق فراغ القول، محل منطق الواقع المادي.” – مهدي عامل – نقد الفكر اليومي – مقتطفات من الصفحات 26 -31

اعلم تمام العلم كم هو مريح هذا الفكر اليومي العدمي، اعرف جيدا وهم الانجاز الذي يخلقه و اعلم سهولة الانصياع لهذا الوهم و تصديقه لكن الوهم وهم! و هو بالتأكيد غير قادر على التغيير مهما كان نتاجه مبهراً و ملون كده و فيهو صور حلوة و عبارت انشائية منمقة، انها تغلف خواءه و لا تلغيه. و وصولنا لي مرحلة الصدح بهذا الخواء كمحمدة دي حاجة كعبة شديد و أمر يستحق الوقوف عنده و تحليله بهدف تصحيح مسارنا نحو اعمال و افكار ابداعية ثورية. و ليس الامر بسذاجة ان نطالب جميع الافلام –تقرأ ايضاً: الفن عموماً- ان تتحدى سلطة واحدة بديهية هي في حالتنا السودانية النظام الحاكم و الشرائح الداعمة لاستمراره من المجتمع. فليتحدى سلطة ثقافية، تعريف رجعي للافلام، ان شا الله لي اساليب حركة الكاميرا ياخ، فيما هي –اي هذه السلطات الثقافية و التعريفات الرجعية- واجهة اخرى للسياسات الرجعية… و على قول الناشط السياسي المصري علاء عبدالفتاح :” اصلا الفن اللي مش حرام ميلزمش، الفن لو مقلقش اهل السلطة و اهل الاستقرار يبقى ديكور”

ScreenShot032

Advertisements

4 responses to “في نقد فكرنا اليومي

  1. كتبت مزن وسكت أنا لوهلة مما كتبت 🙂
    قبل يومين اتفرجت على الفيديو، ولمن جيت أعلق لقيت الدنيا كلها “wow, so amazing, adorable” وهكذا تعليقات … حقيقة قلت يا ولد لم لسانك عليك ما ناقصين كلام.
    طيب، الفيلم أصلا برعاية أولاد تيدكس الخرطوم، وواضحة جداً فيهو رسالة تيدكس وبصمة أنور دفع الله (بغض النظر عن الاختلاف في تباين مواقفو السياسية) الكانت بتدعوا لحب السودان والتمازج والدعوة للتطور … الخ لفئة محددة. أولا تيدكس ما قدرت أنها تنزل لمستوي الشارع البسيط، ومصرين على الانتقائية المريبة لتصرفاتهم حالمين بالمدينة الفاضلة الما بتأثر فيها السياسة على نشاط الفرد وان الموضوع فلا بأس من بعض الميكافيلية. البصمة دي ظهرت في الفيلم من اول كلمة اتقالت بالانجليزي !!!!
    لو افترضنا سيناريو ظريف كده؛ قولي شلنا الفيلم وقدمناهو لمجموعة من البسطاء في الشارع “سواق حافلة، بتاع طبلية، ست شاي” … ولا شي حيتقال لو رضوا أنهم يكملوا الفيلم!!! ليه، لأنهم كبسطاء ما حاسين انو فيلم زي دا بيمس حاجة من البشوفوها كل يوم. وين قفة الخضار؟ وين الأسعار الطالعة؟ وين المواصلات؟ قد ما تكون بصورة صريحة لكن دا فهم المواطن للمواطنة والوطن … الوطن صار ما يقدمه لي من خدمات
    عموما ما بنكر تعب الشباب في Our Sudan .. وانت يا مزن ما قصرت في النواحي اللغوية والإيحاءات اللفظية … المهم انو ولا شي حصل، ومافي شي حيحصل بالطريقة دي

    ودعتك الله

  2. مزن
    “كالعادة” فشيتيني!
    اول ما حضرت الفيلم قلت ليهم الفيلم دا بيختزل السودان في شارع الجامعة، شارع الجمهورية، شارع البلدية و شارع القصر. دا حتى الخرطوم زاتها ما بيعبر عن ناسها.
    المسألة التانية المقلقة بالنسبة لي و الما بتنفصل عن خطاب الشارع الأيامات دي، المقلق فيها أكتر انو يجي من شباب (بيفترض في نفسو الوعي) لمن تمجد لي أيام الإستعمار و السياسات الإستعمارية دي بالجد فاجعة، من بداية الفيلم قرفتني سيرة الإمتحانات البتتصحح في لندن دي حقيقة حاجة غريبة!
    شكراً كتير يا مزن على النقد الواعي و شكراً برضو على الكوتيشن من مهدي عامل (ما قريت الكتاب بمش اشوفو برضو)
    ولاء

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s