حينما يُمْسَك الأدب من لسانه

 

 

نُشر بملف تخوم الثقافي بصحيفة الأحداث – الثلاثاء 14 سبتمبر 2010م

 afAr

 

” كيف سنوجه هذه الكتابة، و كيف سنواجه هذا التملك المستحيل للغة المانعة

المحرمة بالنسبة لي، و علي، و لكن ايضا المحرمة من قبلي…”

                                                                              جاك دريدا

 

        نادرا ما خلت انزياحات مراكز القوى الاقتصادية و السياسية و العسكرية على مر التاريخ الإنساني من انزياح موازي في الأوزان الثقافية للحضارات و المعارف، فالتاريخ لا يُكتب فقط بواسطة المنتصر بل غالبا بلغته. هذه اللغة التي تتطور في أرضها الجديدة فلا نجدها إلا و قد باتت تتداخل في الأحاديث اليومية فأصبحت احدى الخيارات الجمالية و التقنية لآداب الشعوب و الحضارات المُطَعَمة بها حديثاً، فتَرْوي بها و فيها حكاياتها.

فنجدنا بعد ما يقارب النصف قرن من استقلال نيجيريا عن الاحتلال الانجليزي نقرأ لتشيماماندا نجوزي أديتشي نصف شمسها الصفراء، روايةً  يتسق انتمائها مع انتماء كاتبتها لنيجيريا غير منقوص او مجروح بحقيقة كونها كُتِبت باللغة الانجليزية، كما لم تجرح اللغة الفرنسية مغاربية الطاهر بن جلون. فهل هو المضطهَد يكتب بلغة مضطهِده؟، هل يمكنني التصريح بأن هذه الرواية لكونها مكتوبة بالانجليزية تصنف تحت ما يسمى بالادب الانجليزي في افريقيا دون ان اُوصَف بالشطط و الغلو بل و الاستسهال في تصنيف المنجز الادبي بناء على صفاته الاكثر سطحية و هي الاصل التاريخي للغة الكتابة متناسية ما مرت به هذه اللغة من انتقالات و تجاذبات و ولادات ثقافية جديدة؟

لقد كَتَبَتْ افريقيا خلال القرن الماضي ادابها بالانجليزية و الفرنسية و الايطالية و غيرها و بقيت اداباً افريقية مكتوبة بهذا اللغة او تلك، لكنها ايضا ما دأبت تكتب و لما يزيد عن الالفية و النصف* “الادب العربي في إفريقيا” و الامر هنا ليس مجرد جدل سيمائي في بناء المصطلح و تركيب الجُمَل، بل هو صراع ينخر في لب سكيما القراءة التي تتناول هذه الاعمال. فان تقرأ الادب العربي في افريقيا شي و ان تقرا الادب الافريقي المكتوب بالعربية شئ اخر ، بل و ان تكتب الادب العربي في افريقيا شئ و ان تكتب الادب الافريقي الناطق بالعربية شئ اخر.

لذا فان هذا التعامل مع الحضارات الافريقية كرحم بديل يحتضن جنين لغة الاعراب لينجبه عربيا مهما حمل من دمه، مهما ولد و اعيدت ولادته بين فنونها و تاريخها، هذا التعنت الذي يجبرنا على تجاوز المضمون الثقافي و البُنى اللغوية الخاصة بل و المفردات المحلية المتداخلة في نسيج اللغة لننسب كماً هائلاً من منتوجنا الادبي لما يسمى بالأدب العربي في إفريقيا لفيه إذاً قسمة ضيزى.

تواجهنا هنا تلك البداهة المطلقة المنسوبة لترادف مصطلحيّ الأدب العربي و الأدب المكتوب بالعربية حتى لاننا نجد ان المقاومة الوحيدة لهذا التصنيف تتجلى في رفض العربية كأداة تعبير و الانحياز للكتابة بلغات اخرى سواء ذات الاصل التاريخي المحلي منها او المستجلبة من حضارات اخرى، كمظهر من مظاهر الافريقانية الجديدة. نعم، ان اللغة خيار مبدئي بل و سياسي كما هو جمالي و تقني و لكن إقصاء العربية من خيارات الكاتب الإفريقي لاثبات التزامه بإفريقيته و كأن في استعمالها تنازلا أمام الحضارة العربية، فيه إنكار لألفية و نصف من تمازج هذه اللغة مع المضامين المعنوية للمجتمعات الإفريقية التي اتخذتها لغة حوار يومي، لغة لتسجيل تاريخها بل و في بعض الاحيان لكتابة مواثيق مستقبلها و دساتيرها.

ان هذا التقديس -الغير مبرر في أفضل الأحوال- للأصل الإثني للغة يحمل في طياته تقليلا من شأن المحمول الأدبي لصالح الإطار اللغوي و كأنها وصلتنا لغة لها من الماضي ما يطغى على خمسة عشر قرن من التمازج معها و أضعاف ذلك من الغنى الثقافي قبلها و يجعلنا نتجاوز كل ما يميز نتاجنا الأدبي و نقولبه في ما لا يتعدى ظاهر لغته.

الأدب لا يُمسك من لسانه، فالفن لطالما كان في التفاصيل. و حيث أننا لا زلنا بشرا ندرك معطيات العالم حولنا ضمن تصورات تعتمد على التصنيف “المنطقي”، فأن العنوان يعد تفصيلة محورية، و ذا تأثير طاغي على سكيما التقبل و التناول لأي مفهوم. فمن خلال انتاجنا و قراءتنا ادبا افريقيا مكتوبا بالعربية ” … يكتب للغة ميلادا جديد عبر تشابك الأسماء و الهويات المتمفصلة حول ذاتها المتماهية”**، ميلادٌ تعذر و طال مخاضه عبر خمسة عشر قرنا او يزيد من “الكتابة العربية في افريقيا”.

 

_____________

* ARABIC LITERATURE OF AFRICA:PROJECT AND PUBLICATIONS by John Hunwick

** Abdelkebir Khatibi, Amour Bilingue.

 

 

 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s