في عرض الاجسام الشبابية

الاجسام و الحركات الشبابية مصطلح يطلق في المشهد السياسي السوداني على تكتلات ذات مطالب سياسية مباشرة او غير مباشرة  تتكون عضويتها –على الاقل في اغلبها- من الشباب او الyoung adults. اما التعريف الوظيفي لهذه الاجسام – و هو الادق و ان كان اكثر تطرفا – فهو انها تتكتلات تتجمع على خلفية العدو الواحد، انها تكتلات افراد يتفقون فيما يرفضونه (what they stand against) دون تحديد واضح لما يدعمونه (what they stand for). انها تكتلات الحد الادنى في ابسط صورها حيث عدو عدوي صديقي بغض النظر عن اتفاقنا او اختلافنا حتى في اسباب العداء.

نشر مازن الامير بالامس مقالا تطرق الى الراهن السياسي السوداني و استوقفني فيه فقراته الاولى و التي تحدث فيها عن هذه الحركات الشبابية واصفا ايها باجسام ” ليست ذات أجهزة معرفية معقدة فكريا مثل الاحزاب” و رؤيته لذلك كمبرر و عامل مساعد لتوحدها. ذلك التوحد الذي يفترض فيه ان يدعم التمدد الافقي للحركات في زيادة اعداد عضويتها و توظيف قدراتها في تجاه موحد.
توقفت عند طرح مازن هذا اسأل عن كون الوحدة هدفاً، عن كون هكذا وحدة هدف يستحق السعي اليه…!

بعد سويعات من قراءتي لمقال مازن قرأت رسالة حركة قرفنا لصندوق النقد الدولي و التي نشرت بالامس ايضا. رسالة تستميت في سرد جرائم النظام الحاكم في السودان من حروبه ضد المواطنين السودانين الى قتله المتظاهرين في تظاهرات سبتمبر الماضي. رسالة تستجدي اخلاقيات صندوق النقد الدولي داعية اياه ان لا يدعم نظام بهذه الوحشية. و كأنما صندوق النقد ليس من مهندسي السياسات الاقتصادية التي افضت الى الوضع الحالي و منه الى التظاهرات السابقة، او كأنه يجهل جرائم النظام او حتى يعترض عليها، بل و كأنه يمتلك اخلاقيات من اساسه او كأن مباديء الصندوق لا تقوم على سحق نفس الطبقات التي يسحقها نظام الخرطوم! رسالة مسخرة من الاخر!

في موازنة بين مقال مازن الامير و رسالة قرفنا لا مفر من التساؤل، اوليست السذاجة التي طبعت رسالة قرفنا ناتج طبيعي لافتقارها للبوصلة الايدلوجية او ما اسماه مازن بافتقارها للاجهزة المعرفية المعقدة؟ هل في ذلك ما هو ايجابي لنعمل لتعزيزه باعداد اكبر من العضوية و التحالفات العريضة و الاندماجات؟ و ذلك الجسم الضخم عددا الضحل فكرا الذي سينتج عن وحدة الاجسام الشبابية هل يمكنه حقا ان يكون عاملا ايجابيا في المشهد السياسي السوداني؟ هل التمدد العرضي هو ما تحتاجه الاجسام الشبابية الان؟ هل نحن في حوجة الى صيغة اعرض من هكذا اجسام؟ هل الحل حقا في عرض الاجسام الشبابية؟

فلننزل من التجريد الى المثال عشان الكلام يكون واضح

حركة قرفنا تعرف نفسها كـ”حركة مقاومة شعبية سلمية لاسقاط المؤتمر الوطني”. يسرد التعريف الهدف الاول للحركة عند نشوءها في 2009 قبيل انتخابات 2010 بهدف اسقاط المؤتمر الوطني في تلك الانتخابات بالتحديد. اليوم و بعد 4 سنوات من نشؤها احتفظت الحركة بهدفها في اسقاط المؤتمر الوطني مع تغيير الادوات نتيجة لتغير الظرف. تحديد ادوات المقاومة يمكن ان  يتمثل في ابسط اشكاله في اسئلة مثل: “نتظاهر ام لا؟ نشارك في ندوة في هذا المكان ام ذلك؟ نتحالف مع هؤلاء ام لا؟”. اسئلة لابد و انها واجهت حركة قرفنا كثيرا خلال السنوات الاربع الماضية و التي شهدت موجات من االتظاهرات و تكون التحالفات –الجبهة الثورية مثالا- ضمن اشكال اخرى من العمل السياسي. الاجابة على هذه الاسئلة تتجاوز التكتيكي (هل لدينا من العضوية ما يكفي للتظاهر؟ هل هذا الموقع آمن لاقامة ندوة؟ هل هذا تحالف يمكن الاعتماد عليه؟) الى الفكري و المبدئي (هل نتفق مع شعار هذه التظاهرة؟ هل نوافق على طرح هذه الندوة؟ هل نحترم مباديء الاطراف الاخرى في هذا التحالف؟).

نحن هنا لم نصبح فقط في امر عرض الحركة و تمددها افقيا، بل في تحديد مبادئها و قيمها الجوهرية التي يجب ان تتفق عليها عضويتها سواء زادت ام قلت. و هذا امر طبيعي في تكون اي جسم سياسي و تطوره من طور المطلبية الى طور المبدئية. ان السنوات الاربع ليست بزمن طويل على تحديد القيم و المباديء الاساسية، لذا لا استهجن على قرفنا كونها لم تستوضحها بعد. لكنه ايضا ليس بالزمن القليل على مراكمة ما يكفي من التجارب اللازم استصحابها لتحديد هذ القيم الاساسية، لذا احث قرفنا على ان توضح قيمها و تحددها. و ضمن هذه القيم يقع انحيازها الطبقي و منهجها الفكري و ادواتها العملية و تحالفاتها المقبولة و عدوها و اسباب معاداتها لهذه العدو، فلتخلق جهازها المعرفي و تفرز كومها.

و لكن لماذا لا تفعل ذلك ضمن وحدة؟ لماذا لا تشكل جميع الاجسام الشبابية جسما واحدا و من ثم يطور ذلك الجهاز المعرفي و الذي سيكون ساعتها معضدا بالتمدد الافقي؟ فلنهبط من التجريد للمثال مرة اخرى للاجابة على ذلك.
عندما ظهرت “التغيير الان” كجسم شبابي معارض لنظام المؤتمر الوطني ايضا لم يكن ذلك لان كراسي باص “قرفنا” لم يعد فيها شاغر. الاحتمال الاكثر منطقية هو ان الافراد المكونين لحركة التغيير الان لم يرووا في قرفنا متسعا فكريا لتصورهم للتغيير المنشود او طرق الوصول اليه. في الوضع الحالي و تحت افتقار الحركتين لنظام معرفي واضح يمكن مقارنته بالاخرى –على حد علمي- قد لا يتمكن اي من افراد الحركتين من الاشارة بوضوح لاوجه الاختلاف بينهما. و قد يتمكن المراقب الخارجي من استنتاج بعض من الاختلافات من خيارات الحركتين ليس فقط استراتيجيا بل حتى الخيارات اللغوية بصراحة يعني، فليس من الصعب تبين ان الحركة التي تسبق اسماء معتقليها بمسمياتهم الوظيفية من مهندس و دكتور (التغيير الان) و الحركة التي تختار اسمها من لفظ شوارعي قد يتأفف البعض من نطقه (قرفنا) هما حركتان تستهدفان مجموعات مختلفة تماما. الا ان ذلك يبقى مجرد قراءة خارجية لا يمكن مقارنتها بما قد يستطيع عضوية الحركتين توضيحه من خلال بحث جاد حول قيمهم.

فلتبني و لتستوضح كل من التغيير الان و قرفنا و غيرها من الاجسام الشبابية قيمها و مبادئها و اجهزتها المعرفية، و لتحمل من التعقيد ما يكفي لتتمكن –مثلاً- من تحليل سياسات صندوق النقد الدولي و اتخاذ موقف مبدئي منها يتجاوز كليشيه “انا احب المجتمع الدولي و المجتمع الدولي يحبني” كهدف اساسي و وسيلة اولى لاسقاط النظام.

و حينها فلتسعى لزيادة عضويتها من هؤلاء المؤمنين بقيمها و للتحالف كاجسام واضحة التوجه و الانحياز تحت مظلة مطلبية اوسع. هل هذا يعني انها ستتحول الى احزاب؟ ربما. و لم لا، فليس خلل الاحزاب اجهزتها المعرفية بل عدم تنزيلها لهذه المعرفة على ارض الواقع، ربما عدم تملكها للادوات اللازمة، و ربما مجرد برغماتية عضويتها او غير ذلك.

المشهد السياسي السوداني الراهن يتجه نحو فرز الكيمان، يطالب جميع اطرافه باتخاذ مواقف مبدئية حول اسئلة مثل الثورة المسلحة، الانظمة الاقتصادية، التحالفات الخارجية، الجماهير المستهدفة و غيرها. لتتمكن الاجسام الشبابية من الحفاظ على ثقل مؤثر في هذا المشهد عليها ان تتجه نحو البناء الداخلي قبل التمدد و التحالف الخارجي. فنحن الان لسنا في امر عرض الاجسام الشبابية فقط ولا اولاً.

Advertisements

6 responses to “في عرض الاجسام الشبابية

  1. صراحة المقال بهبش حاجات كتيرة في واقع و مشاكل الحركات الشبابية
    بس المقال “فطه” او اتجاوز النقطة بتاعت انو ليه اصلا الحركات الشبابية أتكونت
    و ليه اعضاء الحركات الشبابية ذاتهم أنضمو ليها “أغلب اعضاء الحركات كوادر لأحزاب او تنظيمات شايفين انو احزابهم ما قادرة تستوعب قداراتهم ، او بالاصح قدراتهم أكبر من حزب ”
    بعداك بتتضح لينا اذا كانت الايدلوجيات و نفس السستم و “الاجهزة المعرفية المعقدة” المتبعة في احزابهم مهمة ولا لأ
    الاحزاب السياسية الهدف الاساسي لوجودها هو الوصول الى السلطة عشان تطبق البرامج و الايدلوجيات حقتها ، لكن الحركات الشبابية في رأيي دورها في تحريك الافراد لأقتلاع حقوقهم و ضمان تحقيق مطالب الطبقات الأقل و حراسة المطالب دي

  2. Pingback: #Abena #SudanRevolts Media Round-up..ملخص التغطية الإعلامية #أبينا #السودان_ينتفض | Muniness·

  3. مقال متميز.. وضرب على اوتار حساسة .. وفي اعتقادي الحركات الشبابية امامها فرصة كبيرة لاستقطاب الدعم المجتمعي وهو الاهم في المرحلة القادمة.. ما يعيبها ويعيب الواقع السياسي عموماً هو الخطاب الاعلامي .. فنحن لا زلنا في مرحلة تعرية النظام وكشف سوءاته في الوقت الذي بات كل المجتمع السوداني على اختلافه يعي تماماً سوء النظام وسوء ادارته للبلاد .. المرحلة تحتاج لخطاب توعوي عن اساليب التعبير عن السخط نحتاج لبث الثقة في اوساط المجتمع وهذا من المفترض أن يكون دور الحركات الشبابية والمجموعات النشطة من كوادر الاحزاب السياسية.. نحتاج ان نصل باعلامنا لكل قطاعات المجتمع عبر شتى الوسائل المتاحة والغير متاحة .. يجب لننتصر ان يكون كل مواطن يمتلك شتى وسائل التعبير وشتى سبل التأمين.. ساعتها يمكن أن نكون في الطريق الصحيح..

  4. The writer is partially right about intellectual need\potential and the gap between ideas and diffusion on the ground. However, I trust that she is well aware of the polity\social \intellectual dynamics in Sudan. Innovative revolutionary ideology/thinking is not that handy in Africa due to sociopolitical structure i.e. cult/tribe system. In addition, authoritative regimes ultimate aim is crushing such thinking through education, media, and officialdom polices. Innovative thinking occurs over time and it is a “process.” if we were that advanced why are we under such reign for so long? Realistic expectation is key.

    Whatever is brewing now, despite its poor intellectual quality according to Muzan, is building the muscles for more educated nonviolent thinking, and is earning the trust of the public to invest in such efforts. Major virtues of youth movements is cracking walls of apathy, and questioning the validity of old-fashioned political parties. One more thing we should not overlook is that youth movements offered an alternative to resorting to arms. Many of those who lost faith in political parties during the fist decade of the NCP regain took up arms. Youth movements offered a nonviolent stage for middle-class (intellectual aspect of the class).

    Any collective work should be evaluated at each stage with taking into consideration all the factors and catalysts. Critique is indeed needed and should encourage discussion on how to develop what is assumed to be lacking. Should criteria of membership be exclusive to elites? How would we hitch the gap then between the non-elite and the “thinker”? What is the rule of youth movements anyway? Mobilizing by building upon the hatred of NCP or educating? If it is educating the mass, what are the priorities and what are the venues, given the confined sphere of freedom in Sudan? Is online activism adequate to address the education demand? If not, what are the alternatives? I truly wished the article addressed the aforementioned questions with equal attention to the lacking on the part of youth movements. Quibbling arguments should be first and foremost constructive, accurate, and fair otherwise we might miss on having a healthy dialogue that benefits all parties to the discussion. We don’t walk before we crawl.

  5. سلام يا مزن
    شكرا على طرح موضوع مهم زى دا .
    بعد الثورة ما همدت شوية ، ممكن الواحد يعلق وما يقولو ا عليه عدو الثورة ومثبط همم الجماهير 🙂
    اسع عندى حبة تعليقات على مقال مزن حاقولها لما اكتب رد مطول ومفصل على ما كتبته ، كلامها مهم شديد طبعا لاى ( ناشط ) زيى وزيك 🙂
    * بخصوص مطالبتها إنه الحركات الشبابية تكون عندها رؤى مستندة على مبادئ فكرية ( عميقة ) كمثال رأيها فى صندوق النقد الدولى وسياساته أراه نوع من مطالبتهم بمسئولية ليست تعنيهم ، فالحركات الشبابية حسب فهمى لها اقل تعقيداً من الأحزاب فى تفسيراتها الفكرية للمشاكل والحل ، وليس فى هذا مسبة أو ضحالة ، و من مبررات تكوينها أنها تضم ( شابات وشباب ) متفقين على هدف محدد بطرق ووسائل أقل بساطة من آليات الأحزاب المعقدة ، وبس الزول ممكن يردد ( حركة .. حركة ) ممكن تصله فكرة السرعة فى الفعل وعدم التقيد بثقل التفسيرات ، طبعا ثقل التفسيرات ده ينطبق حتى على التنظيمات السياسية الحركية مثل ( الحركة الشعبية ، حركة حق ) ففكرة الحركة تقوم على التعامل مع الواقع بتقدير للمشاكل وبوضع حلول يتم مراجعتها كل فترة والاخرى ومن هنا تاتى الحركية البعيدة من الإيمان بالحتميات التفسيرية ، مثلاً للتاريخ وخط سيره ، فالتاريخ مفتوح وكذك حركة المجتمعات ، طبعا هذا لا يعنى عدم إصدار رأى فى سياسات جهات مثل صندوق النقد الدولى .
    يلا لما هى الحركات كمان تكون شبابية والمقصود به( أجسام شبابية إحتجاجية بهدف مباشر ومحدد مثل اسقاط الوطنى ) فهى ليست مطالبة ولا من إختصاصها تفسير وتحليل أزمتنا الإقتصادية ببعدها العالمى وإلا لتحولت لأجسام سياسية مثل الامثلة التى ذكرتها بالاعلى ، وستفشل محاولة اى من حركتى التغيير الان او قرفنا إن سلكوا هذا الطريق فى السعى لوضع تفسيرات ( عميقة للازمات ) وعندها سينفرط عقد مسببات الإنضمام لأى منهما .
    ما قصدته أنه يجب أن نفرق بين الحركات الشبابية الموجودة وهى تصنيفها عندى ( حركات إحتجاجية مثل لا لقهر النساء ) وان كان مطلبها أله أبعاد أوسع ملنساء ، إن وصلنا لهذا لكنا منصفين لهذه الحركات الشبابية ( مسئولياتها وطرق تحليلها و أدوتها وتعابيرها ) .
    * بخصوص تعليقها على أن حركة التغيير الان تذكر قبل الشخص صفة وحركة قرفنا لا تفعل هذا ، فى أعتقادى أن أعتبرت حركة قرفنا هذا نوع من مؤشرات تمددها ووصولها لطبقات أخرى لا تصلها حركة التغيستكون خاطئة وإن كان ما تقوم به من عدم ذكر صفة قبل الشخص هو مؤشر إيجابى ودليل صحة داخل الحركة وطريقة نظرتها للانسان بشكل عام والسودانى خصوصاً .
    *أكيد سؤال مزن مهم حول طرح رأى فى قضايا مثل العمل المسلح ولكن أن أرتضت أى حركة إنتهاجها النهج السلمى لا يعفيها من طرح رايها على الاقل فى ما اذا قامت الحركات المسلحة باسقاط النظام ، ما هو رايهم عندها ؟
    واعتقد ان الحركات الشبابية مطالبة بالإجابة على أسئلة صعب فى واقع معقد مثل السودان ، يختلف عن أوضاع مثل مصر والأسئلة التى واجهتها حركات مثل 6 أبريل .
    تحياتى

  6. Pingback: Social Movements and Intellectual Innovation | Hibiscus with Ginger·

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s