نهندس القش

انا بعشق الهندسة، و اعتقد ان الاستثمار الافضل للطاقات البشرية يمكن تحقيقه لو درس الجميع الهندسة قبل توجههم لاي خيار اكاديمي او عملي آخر، بل ان دراسة الهندسة تؤهلهم لاتخاذ الخيارات المثلى فيما بعد، اوكي دي فكرة اكستريم اكتر من اللازم، لكن يعني … المهم الفهم. اعتقد ايضا بان السياسة هي اكثر المجالالت حوجة للهندسة.

احكي ليكم كيف.

الهندسة هي ببساطة عملية ايجاد الحلول، قد يصح ذلك التعريف ان ترك بلا تحديد عن غيرها من ضروب الابداع و المعرفة ايضا، لكن في الهندسة ليس هناك ما يُترك بلا تحديد. ايجاد الحلول هندسيا يتضمن تعريف المشكلة، تحديد الحل الامثل المطلوب و الاسباب التي تجعل منه حلا امثل، تعريف المعالجات الممكنة للوصول الى الحل و اسس القياس التي على اساسها نعلم بعدنا او قربنا منه.
دراسة الهندسة تعني امتلاك الادوات و اسلوب التفكير اللازم لتطبيق هذه الحلول. اما ما عدا ذلك فهو في عداد تحديد المجالات، فالمهندس المدني يمارس التفكير الهندسي في مجال الانشاء و الميكانيكي في مجال التصنيع و الكيميائي في مجال التفاعلات.

مثلا…

عندما يواجه مهندس الجودة مشكلة –و المشكلة في تعريفها الهندسي قد تكون طرحا جديدا لمنتج او عملية يجري تقييمها- فهو يستخدم ضمن ما يستخدم من ادوات اداة تسمى بالـ7 whys . 7 whys تعني ان تسأل (لماذا) سبع مرات للوصول الى اكبر قدر ممكن من المعلومات حول المشكلة او سببها الرئيس. فان اراد مهندس الانتاج شراء ماكينة جديدة و كانت مهمة مهندس الجودة ان يحدد ضرورتها يمكن استخدام هذه الاداة و ساعتها يجري بينهما الحوار التالي:
– لماذا نشتري ماكينة جديدة؟
+ لتسريع عملية الانتاج.
– لماذا نحتاج لتسريع عملية الانتاج؟
+ لتقليل ساعات العمل
– و لماذا تظن ان من الجيد تقليل ساعات العمل؟
+ لأن العمال لا يريدون العمل بعد الظهر
-و لماذا لا يريد العمال العمل بعد الظهر؟
+ لان الجو حار و جهاز التكييف لا يعمل
VOILÀ

في السؤال الرابع وصل المهندسان الى ان مشكلتهما لا تكمن في الماكينة بل في تغيير جهاز التكييف. ما حدث هنا هو حماية المنشئة التي يعمل فيها هذان المهندسان من انفاق جهد مالي و فيزيائي في عملية ليست هي الحل لمشكلتهما الرئيسة. الماكينة الجديدة ربما تكون حل لمشكلة اخرى او ربما في سياناريو اخر لحوارهما كانت لتكون حلا مناسبا لهما، لكن الاكيد انه لا يمكن التأكد من ذلك دون استخدام الاداة المناسبة. السؤال لماذا قد لا يوصل المهندسان لاصل المشكلة، قد يقفا في نقطة ما لا يملكان الاجابات، و حينها سيعلمان ان ما ينقصهم هو العلم الكافي بالعملية التي يديرانها قبل ان يقررا ان يغيرا فيها شيئا ربما يجعل الوضع اسوء من ما هو عليه.

عندما يدعو [الناشط] السياسي لحملة ما فليسأل نفسه الـ7 Whys،
-لماذا هذه الحملة الآن؟
+لنشر الوعي عن القضية بين افراد المجتمع X
-لماذا افراد المجتمع X هم الاكثر اهمية لقضيتك؟ / لماذا هذه الحملة دون غيرها قادرة على الوصول الى افراد المجتمع X؟
+ ….
هذان الخياران لما يمكن ان يكون عليه السؤال الثاني هما بالفعل سؤالان روداني كثيرا عن عدد من الحملات التي اطلقها ناشطون سودانيون و لم اجد في اعلامهم عنها اجابات!

و فيما قبل الحملات، فليستخدم الناشطون هذه الأداة في تحديد معالم تغييرهم الذي يبغون، و ليس في هذا تحوير لسؤال “البديل شنو” بل هو zoom out  الى مجموع اسئلة “المشكلة شنو”، “الصح شنو”، “الصح اصلا يعني شنو” …
فلفظ تغيير العاري عن محدداته هذا هو اصلا لفظ انشائي لا قيمة له.

يعني انا اجي كده في اجتماع عمال و ادارة و مهندسين اقول ليهم “الوضع كعب يلا نغير” … حيسكتوا مستنين اني اتم كلامي و اقول جملة مفيدة. ماف زول حيكب قروشو ولا جهدو و لا معرفتو في تغيير و السلام.

فليسأل حامل لواء التغيير نفسه
– لماذا “التغيير”؟
+ لان الوضع الحالي سيء
– لماذا اراه سيء؟
+ لأن الوضع الاقتصادي-السياسي-الحقوقي-الصحي … متدني
– لماذا هو هكذا؟
+ لأن الحكومة الحالية لا تملك ادوات ادارة البلاد/ لانهم حرامية / بسبب المباديء الاساسية لهذه الحكومة القائمة على رؤية اقصائية ادت الى تهميش و حروب كان لابد و ان تودي بنا للوضع الحالي

كل من هذه الاجابات يستوجب سؤال اما عن:

* لماذا تمكنت هذه الحكومة من الوصول الى الحكم؟، مما يحملنا الى تحليل تاريخي لانظمة الحكم في السودان
* لماذا استطاعت البقاء في الحكم؟، مما يحملنا الى تحليل لادوات العمل السياسي في السودان، و حلفاء النظام الحاكم سرا او جهرا، عن وعي او دونه، داخليا و خارجيا ممن اسهموا في بقائه و توطيد سيطرته
* لماذا نرى ان مبادئ هذه الحكومة خاطئة؟، مما يحملنا الى تحليل اقتصادي و اجتماعي عن ما يمكن ان يكون عليه –بالمقابل- نظام الحكم الافضل او كيفية استنتاجه ضمن عدد من الاخلاقيات و الولاءات الواضحة لرؤية نهائية او طبقة اقتصادية او غيره

ارى في كل هذه المناحي التي يمكن ان يتجه اليها التحليل اضافة لحوار التغيير اعمق قليلا من الشعارات الانشائية و تكتلات العدو الواحد،… قليلا فقط. و ارى في نتائجها حفظا للطاقات – بل و احيانا الارواح- المهدرة في حملات تجهل هدفها و يضع القائمون عليها من الطاقة فيها ما يفوق اقصى ما يمكن تخيله من نتائج. حملات inefficient حيث حاصل قسمة الـ output/input  فيها يكاد لا يذكر من ضآلته في افضل الاحيان و كارثي في اسوءها حينما تكون النتائج معاكسة لاتجاه الهدف النهائي المرجو. و لكن كيف لنا ان نعلم ذلك دونما تحديد لاتجاه الهدف؟

ياخ و حياة الحاجات الحلوة، الحياة كانت حتكون الطف لو هندسنا القش ده شوية.

لو سأل الناشطون لماذا. لو اجرت تلك المنظمة الفيمنست العظيمة root cause analysis  قبل ان تعمتد على مجرد احصائية لعدد النساء المديرات فتقرر على اساسها تحالفا جنسيا يجعل من كل النساء على جانب واحد من الصراع امام النظام الذكوري دونما عودة للاصل الطبقي و الاقتصادي لهذا التمييز. لو اجرى ذلك الناشط المودرن جدا failure analysis على تاريخ الاحزاب السودانية قبل ان يقرر ان العمل الحزبي باي ديفينيشن يعني الفشل. ربما كنا اتقينا اهدار بعض من الطاقات الهائمة بين الاحصائيات العارية من تحليل و الشعارات الخاوية من معنى او ربما استطعنا فقط ان نمتلك من ادوات التقييم بوصلة نعلم بها موقعنا و قادم خطواتنا.

ليس في هندسة السياسة بعدا تكنوقراطيا مطلقا ادعي من خلاله وجود حل علمي غير-سياسي، بل انني لا اؤمن اطلاقا بوجود ما هو غير-سياسي. اجابة الناشط عن سؤال “لماذا ارى الوضع سيء؟” هي اجابة تعتمد على انحيازه الطبقي و بوصلته الاخلاقية. كذلك تعريفه للفشل في تحليل العمل الحزبي، فمقياس النجاح من عدمه هو سؤال عن أولويات العمل السياسي.

حديثي هذا عن عالم اتمناه، اكثر منطقية، اكثر كفاءة، اوضح قليلا. فيه من التمني ما فيه و من “الخستكة” القليل ايضا. فانا لا اظن ان كليات الهندسة السياسية ستفتتح غدا في جامعات العالم. لكنني فقط اقول ان هناك من الادوات ما قد يمكننا من جعل عملنا في المجال السياسي اكثر قدرة على الاثمار المرتجى منه، فلنستخدمها ياخ، او فلنطور غيرها مما نراه انسب للمجال السياسي و اقدر على انفاذ التفكير المنطقي لتعريف المشكلات و/قبل ايجاد الحلول،نهندس كوم القش ده شوية، مش يمكن نلقى الابرة؟

engineering

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s