دروس إضراب مايو المجيد، أو لماذا يكره العسكر الإضرابات

حرية سلام و عدالة

هتاف تردده الثورة السودانية و تُطوِر في شقه الثاني مع تطورها: الثورة خيار الشعب، و من ثم مدنية قرار الشعب، في تطور واضح لمدى تحديد المطالب و قوة المطالبة بها خياراً مبدئياً لا تراجع عنه، فقراراً ثورياً ترى في قوتها القدرة على تحقيقه.

حرية سلام و عدالة

حرية آمنة لا يشوبها خوف، في دولة رعاية اجتماعية تعيد حقنا المسلوب في مقومات الحياة الكريمة من تعليم و صحة مجانية فلا نكون مستعبدين لدى اصحاب العمل ولا لدى حاملي سلاح نخشى ان يستفزهم اعتراضنا فنُذبح جزاء الهتاف.

سلام مستدام بنَّاء لا ندلل عليه بتوقيع اتفاقيات السلام و مباركة الخواجات، بل بعودة المواطنين الى اراضيهم التي اختلق فيها النظام نزاعات تسمح له بطردهم منها اما خوفا من مطالبة مجتمعاتهم بحقوقها او لعلمه بمواردها و سعيه لامتصاصها لمصلحته الخاصة. سلام تصحبه تنمية مستدامة تنتزع جذور اسباب الحرب.

و عدالة شاملة تتعدى محاسبة الجناة الى وضع دستور و قوانين تحمي المواطن من تغول اولي المال و السلاح و الحظوة على حقوقه.

حرية سلام و عدالة، عهد نجدده مع كل هتاف، عهد لذكرى الشهداء، عهد لأجيال قادمة نحمل أراداة واعية بأن نقدم لهم سودان يضمن لهم الحياة الكريمة، و عهد مبدئي تجاه التزامنا الأخلاقي بأعلاء مصالح المواطنين على مصالح الحكام و بأن لا نعيش تحت تهديد سلاح الحكام.

عبر سبعة اشهر من الثورة السودانية -و لسنوات قبلها- تردد هتاف الحرية و السلام و العدالة في المواكب و الاعتصامات و جددنا العهد مرارا بالهتاف و النضالات في كل شوارع السودان بل و تجاوزها الى مدن العالم حولنا فهتفته جموع السودانين بالخارج و كل من ناصر الثورة السودانية مؤمناً بأن الحدود تراب و النضال واحد.

3760486_3849-2167-19-212

في 28 و 29 مايو 2019 عززت جموع العاملات و العاملين في السودان هذا الهتاف بأن وضعوا خلفه قوة عملهم في اضراب مايو المجيد، مذكرين لجنة البشير الأمنية -و التي اسمت نفسها مجلساً عسكرياً- بأن الشعب مالك زمام امره، قادر على تنفيذ اراداته بأن لا يعمل تحت أمرة تهديد السلاح و حكومة جنرالات القتل. فأن كنتم تريدون الإستيلاء على القصر الجمهوري بقوة سلاحكم فهو لكم، اما ان ظننتم بأنكم بهذا تجعلون من انفسكم حكام لنا نضع قوة عملنا في خدمة اجهزتكم الاستعمارية و استثماراتكم الريعية فهذا ما لن تجدوه منا، كان هذا لسان حال المضريين.

اكسبنا اضراب مايو المجيد دروس ثورية غيرت وجه الثورة السودانية و عمَّق معرفتنا بقوة الثورة و قدرتها على اقتلاع كل من يعاديها.

كان درسنا الأول في “استعدال” موازين القوة في المجتمع السوداني. رأينا اضرابات شركات البترول و التي نعلم منذ زمن انتماء اداراتها للنظام و اجهزته الأمنية حتى استخدمت بعض مكاتبها كمعتقلات “سرية” لجهاز الأمن. رغم ذلك لم تستطع هذه الادارات ان تمنع عامليها حينما اتحدوا و اعلنوا الاضراب انتصاراً لمطالب الثورة و تصريحاً بسعيهم لاقتلاع نظام اداراتهم الأمنية. و رأينا الاضرابات كذلك داخل استثمارات الجيش في التصنيع الحربي و جموع الموظفات و الموظفين يهتفون بمدنية الدولة في قلب استثمارات العسكر. كان ابلغ تجلي لدرس القوة الحقيقية في مهزلة مقال الهندي عزالدين عن فشل الاضراب السياسي العام و الذي لم ينشر نتيجة اضراب عمال المطابع. فتعلمنا ان الحكام و ان سيطروا على ادارات الشركات و رؤوساء تحرير الصحف و المناصب العليا في الوزارات و غيرها فليس بأمكانهم السيطرة على مكامن القوى العاملة الحقيقية حيث العاملات و العاملين و الموظفات و الموظفين هم اصحاب القرار الحقيقي و الأرادة العصية على الكسر.

رأينا هذا الدرس يتجلى و تزهو نتائجه الثورية في رد عمال الكهرباء على انتهاكات الاجهزة الأمنية باعتقال زملائهم في اول ايام الاضراب، فكان بيانهم في 28 مايو حيث صرحوا “نذكر الجميع و أولهم مليشيات الدعم السريع و جهاز الأمن و المخابرات الوطني اننا نمتلك قوة اكبر من سلاحكم، و مليون رصاصة منكم لا تساوي ضغطة زر منا”. كان بيان عزة و ارادة و تعالي عن ضعة السلاح و دعاة القتل و الهمجية الذين لم يكن لهم الا اطلاق سراح المعتقلين مباشرة. و ابتهجت الجماهير في ساحة اعتصام القيادة العامة يومها بوصول موكب مهنيي الكهرباء على متن عرباتهم الرسمية يهتفون “يا تسلمها يا نضلمها”.

حمل مهنيي الكهرباء مكتسبات هذا الدرس معهم في ال30 من مايو حيث اعلنوا رفع الاضراب السياسي العام حسب جدول الثورة و بداية اضرابهم لمطلبهم الخاص بأقالة قسم التأمين بالكهرباء، و هو اسم الدلع لأفراد جهاز الأمن داخل الكهرباء و حاضن مجاهدي الدفاع الشعبي و مليشيات النظام. و قد كان لهم كما أملت ارادتهم النصر في ذات اليوم فصدر قرار الأقالة الفوري لكلاب الأمن.

لهذا نقول بأن الدرس الأول من دروس اضراب مايو المجيد سيبقى معنا ما بقيت ثورتنا و ما بقيت الفوى العاملة تحمي حقوقها من تجاوزات الدولة و اصحاب العمل. نعلم الآن بأننا و ان لم نكن رجال اعمال او وزراء نظام فنحن القوة الحقيقة التي تدير عجلات الدولة بعملنا اليومي. و لأرادتنا القدرة على ايقاف عجلاتها متى ما رأيناها تبتعد عن واجبها في صون حقوقنا و تقديم اولوياتنا كمواطنين.

اما الدرس الثاني من دروس اضراب مايو المجيد فيتمثل في توضيح التوجهات الحقيقية لجهات عدة كررت معنا هتافات الثورة دون ان تعنيها. و تراجعت حين ارعبتها قوة اضرابنا و رأت قدرتنا على تحقيق جوهر الهتاف.

كان جنرال القتل برهان قبل الاضراب يوزع وعودا مجانية مكررة تذكرنا بالسيسي قبل سنوات خلت فيقول “لو الشعب السوداني عايزنا نسلمها بنسلمها”. حتى كان يوم الاضراب و خاطب الجنجويدي عبدالرحيم دقلو جموع المضربين مرددا “حسي كان سلمناها لي الحرية و التغيير بترضو؟” فهتفت الجموع بالايجاب و بهت الذي كفر بأرادة الشعوب حينما تجلت امامه. انتشر الفيديو الذي يوثق هذه اللحظة الجليلة بين السودانيين الفخورين بهذا الموقف الدال على قوة الشعب و جبروته. عقب الاضراب توقف جنرالات القتل عن تزييف ارادة الشعب و ربط وعود التسليم بها، حيث لم يجدوا مجالا لتزييف الحقيقة الساطعة في يومين من الاضراب السياسي.

رأينا ايضا يومها حقيقة حكومات الخليج التي تعضد عروشها بقطع الطريق امام مسيرة الشعوب نحو الحياة الكريمة و تضاعف ثرواتها باستغلال مواردنا و باستثماراتها الطفيلية في اراضي السودان. كانوا قبل  اضراب مايو المجيد يرددون دعمهم لخيار الشعب السوداني و عندما وضّح هذا الشعب خياره المتمثل في حكومة مدنية تقدم اولوياته و كرامته على مراكمة ارباح النظام و حلفائه -ان كانوا هم او غيرهم من محاور الشر المتكاثرة و المتشابهة- ما كان منهم الا ان صرحوا بدعمهم للمجلس العسكري الانقلابي مباشرةً. لم نكن كشعب نجهل التوجهات الحقيقية لهذه الحكومات قبل ذلك فقد هتفنا في الميادين “رز الخليج مسموم ما بيخدع الخرطوم”. رغم ذلك يحق لنا الافتخار بقوة اضرابنا الذي اجبرهم على التنصل من عبارات الدعم الخاوية و اظهار دعمهم الحقيقي لجنرالات القتل و لأرباحهم من خلف ذلك.

و تمددت قدرة اضراب مايو المجيد على صقل جوهر الثورة مما تراكم عليه من طفيليات انتهازية حتى وصل بيتنا الداخلي و تمايزت الصفوف داخل القيادة السياسية للثورة ذات نفسها. قبل الاضراب تعالت اصوات الرجعيين برفضه بمبررات عن عدم قدرة الشعب الثائر على تنفيذ إضراب ناجح و خوفهم على الثورة من مآلات فشله. و حين طغى اثر الاضراب على هزالة حججهم توقعنا ان نراهم يتراجعون عنها و يعودون الى صفوف الثورة الحقة، و لكنهم ظلوا اوفياء لمصالحهم الخاصة، فكيف لمن بنى مجده على امتيازات طائفية رجعية تعليه فوق بقية المواطنين ان يقبل بعمل ثوري يصحح كفة القوة و يعيدها للشعب لا للنخبة؟ رأينا متحدثي حزب الأمة يرفضون الاضراب عبر تصريحاتهم حتى و هو في أوج انتصاره، دون ان يقدموا مبررا جديدا عقب انهيار حجة ضعف القوى العاملة الثائرة.

تأتي قدرة الأضراب على فرز صفوف الثورة الحقيقية من متسلقيها في انه يذهب ابعد من مجرد اسقاط نظام حاكم. قد يتفق معنا الانتهازيين و المتسلقين مرحليا لأسقاط النظام و يجعلوا من منصاتنا الثورية سلالم يصعدون بها الى تبديل شخوص النظام بشخوصهم او بشخوص من يرتضوهم، و هذا ما نراقب حدوثه في هذه الايام. و لكننا حين نعلي راية الاضراب فأننا بذلك -و كما علمَّنا الدرس الأول من دروس اضراب مايو المجيد- نوجه ضربة مباشرة لأسطورة تركز القوة عند قيادات الجيش من جنرالات القتل، او تركزها عند اصحاب الأموال، او عند الزعامات الطائفية. الاضراب اذاً تصريح ثوري بأن القوة الحقيقية هي قوة الجماهير. يشكل هذا التصريح تهديدا وجوديا مباشرا للزعامات الرجعية و حكومات القهر و الاضطهاد التي تحصن بقاءها بترديد اسطورة تركز القوة في اعلى هرم القيادة، و التي لا وجود لها متى ما علمت الشعوب بأن لا قوة سوى الموجودة في قاع هذا الهرم حيث الجماهير العريضة. و لهذا تكره القوى الرجعية الاضراب، يكرهه الطائفيون و يكرهه العسكر، يكرهون هذا السلاح القادر على تجاوز اسقاط بعضهم الى اسقاط اسباب وجودهم و امتيازاتهم نفسها.

ليس في هذه الدروس ما هو خفي على الشعب السوداني الثائر و الذي اختصرها في هتافات الأضراب نفسه

ردد جموع الثوار “اضرب اضرب اضرب، خلي المجلس يهضرب” عالمين بقوة اضرابهم امام همج القتلة. و سطروا في يافطاتهم و شعاراتهم المكتوبة وعياً ثوريا بمكامن قوتهم و تغلب القوى العاملة على تهديدات العسكر فكانت “حميدتي تعال تم الكود” و “الموية مدنية ولا عسكرية؟” .

كان اضراب مايو بيان قدرة الشعب السوداني الثائر على تفعيل ارادته الجماعية و كان بيان الوزن الحقيقي “لقرار الشعب”. و اكتسب هتاف “حرية سلام و عدالة، مدنية قرار الشعب” بعده قوة فوق قوة، و تراجعت دعوات المساومة بعده و لو لحين انتصرت فيه دعوة المقاومة و السعي لتحقيق اهداف الثورة كاملة غير منقوصة.

في هذه الايام و بينما تكسب الرجعية المهادنة و الانتهازية الفجة مساحات جديدة و تهديها للعساكر مجاناً، علينا استعادة دروس اضراب مايو المجيد. استعادة معرفتنا الواعية بقوة الجماهير الثائرة، و استعادة خبراتنا السابقة بتلون الانتهازيين و ترديدهم الفارغ لهتافاتنا الثورية بينما هم يسعون الى عكسها.

ففي درب الحرية الحقة و السلام البناء و العدالة الشاملة تبقى الثورة خيار الشعب، مدنية قرار الشعب و الاضراب سلاح الشعب.

photo_2019-05-25_06-13-14-529x330

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s